فهمي الباحث

إنســــــــان عــــــــادي جدا!

هل يميز السارق ضحاياه كما يميز الفاكهاني الحبّات الفاسدة في سلة التفاح؟ أم هو الهجوم العشوائي نحو الضحية واتباع الحدس، ليعرف في نهاية اليوم حصيلة غنائمه؟ هل يعرف السارق ما سيسرق قبل أن يسرق؟
هل يسرق السارق ما يحتاجه أو ما ينقصه؟ أم أن كل ذلك لا يهم، فلكل بضاعة سوق؟


هل يعرف السارق ضحيته؟ أو يهمه ذلك أصلا؟
هل يعرف سارق الموبايل أن الضحية قد تهمه البيانات والأرقام أكثر من الجهاز نفسه؟ هل يعرف أن المسروق كان بإنتظار مكالمة مهمة قد تحدد مستقبله كله لكنه لم يستطع الإجابة؟ هل يُدرك السارق أن قصره في دبي مبني بأحجار منازل أخرى في بلد مسروق؟ هل يدرك السارق أن سرقة أحلام الطفولة لا تؤدي الى الجنة كما يظن؟
والفرق ليس كبيرا بين من يسرق الأحلام ويسرق المستقبل، فالحلم طموح لواقع المستقبل! يسرق المستقبل في تفجير إرهابي أمام كلية الشرطة ليموت عشرات من الطلاب الذين بنوا الكثير ورسموا الكثير في مخيلتهم للمستقبل، يسرق الفاسدون مستقبلنا ومستقبل أطفالنا إذ ينامون في فنادق باريس ويقبع تحت نومهم جوع أطفالنا.
وتسرقنا أنفسنا إذ تنعزل عن ذلك الضجيج في المقهى وسط الشارع عند الظهيرة إذ تتناول الشاي، وتسري بعيدا بأفكارك وربما في أروقة الذاكره، حتى لا تكاد تسمع حوار كبار السن أحدهم في كرسي الى جوارك تماما. وتسرقنا النفس بغير إرادتنا عندما تستلقي بجسدك للراحة هنيهة ثم تغيب عن الوعي ولا يعيدك إلا كابوس أو رنين الهاتف إن كان به من الشحن ما يكفي ليحرسك في غيبوبتك.
دعني أزيدك من الشعر بيتا، حتى الأفكار لم تسلم من السرقة، بل سنّ لها العالم قوانينا وأنظمة كالملكية الفكرية وبراءات الإختراع، ولم لا؟ فكل شيء، عظيما كان أم صغيرا بدأ بفكرة… لكن الناس أيضا لا تكف عن سرقة الأفكار وإن كانت كلمات فتنسبها لنفسها، تتفاجئ بأن أحدهم نسخ مقالا لك ونسبه إلى نفسه، أو نقله دون الإشارة الى قائله، ولقد ساهمت التكنولوجيا عموما وشبكات التواصل الاجتماعية خصوصا في إنتشار هذا النوع من السرقة.
ويحدث أن نتساهل وربما نيسّر لبعض من يسرقوننا، فنبحث عن سبب للحديث لسرقة الوقت، ونفضّل الصمت عندما يسرق فاسد أحلامنا، ونميل إلى اليأس عندما يسرق أحدهم مستقبلنا ومستقبل أطفالنا!
وأعجب من وجدت من السرَق، من يسرق الكتب ابتغاء المعرفة، ليته كان يعيدها كي لا أسميه سارقا.
يحدث أيضا أن يقبض الناس على سارق يسرق الأحذية من المسجد ليبيعها، ويتم التشهير به ونشر صوره وشد وثاقة الى عمود بجانب الطريق ليشمت به المارّة، بينما هناك من يسرق ثروات الحاضر حاضرنا والمستقبل مستقبلنا من بطن الأرض ولم يجرؤ أحد على نعته بسارق فضلا عن إيقافه.
وهنا أتذكر ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام ” إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله ،لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.

***

خالد، في لحظات بسيطة، تبدد حلمه بالعودة الى أسرته بعد ظهر ذلك اليوم، تبدّدت تلك الصورة التي تخيلها لطفلته وهي ترتدي الفستان الأبيض الذي اشتراه بالأمس بعد أن قطع مسافة طويلة، أمسك رأسه بكلتا يديه علّه يمنع الأفكار والأمنيات من التساقط، لكنها تتهاوى، تتلاشى، ماذا سيقول للون (الحناء) على أصابع زوجته التي تستعد لاستقباله؟ تتردد على مسامعه صوت طفله الآخر: اشتقنا لك يا بابا.
عاد الى عمله وأخبر زملائه بأنه غير قراره وسيستمر في العمل لبضعة أشهر أخرى، واصل العمل في تلك اللحظة بجهد كمن يحاول أن ينسى، أن يشغل نفسه عن التفكير، يتظاهر بأن شيئا عاديا قد حدث، لكن داخله يشعر بالألم كما أسرّت لي عيناه.
كل ذلك بعد أن عاد الى غرفته فوجد اللاشيء، حقيبته الممتلئة بالهدايا وما تبقى من حصيلة عمل لأربعة أشهر اختفت، ذهول. لربما تخونني عيناي، يحدث نفسه.
أربعة أشهر من العمل المتواصل دونما إجازة واحدة، أكثر من 12 ساعة يوميا، جمع كل أحلامه وأفراح أسرته في حقيبة واحدة، كيف لذلك التعب والسهر أن يصبح لا شيء؟
كنت أنا أتساءل وربما هو أيضا: كيف سيستمتع السارق بما سرق؟ أنى للمتعة أن تجد طريقا الى قلبه وهو يطلبها بعرق وتعب غيره؟ ملابس الأطفال تلك هل سيرميها؟ يبيعها؟ يهديها لأطفاله؟ وإن كانت هذه هي الأخيرة، فهل تذكّره بفعلته؟
لم يفكر أن يقدم بلاغا للجهات الرسمية، كانت سبابته التي تشير الى السماء كلما سئل عن الحادثة، كانت تقول: الله وحده هو المنصف، من عله يضبط السارق في وطن مسروق هو بأكمله.
كان يواصل عمله بنشاط، بينما كانت الحسرة تغتال بقية ساعات اليوم، يومي أنا.
لم يخطر ببالي أن أكتب هذا لولا أن التيار الكهربائي مسروق أو مقطوع مذ أرسلت الشمس خيوطها صباحا حتى اغتالها الليل، ولم تُفارق مخيلتي الكثير من التساؤلات حول كوكب السرقة هذا الذي يُمتدح فيه السارق بالشطارة والرجولة والذكاء! يا للعجب!
– هل قلت كوكب السرقة؟
– نعم، ألا ترى بأن كل شيء بحاجة الى حراسة؟ ألا ترى بأن الشركات والمباني والمحلات مليئة بكاميرات المراقبة والحراس وأجهزة الإنذار وكشف السرقات؟ حتى المطاعم يا رجل تضع تحذيرات بإخلاء مسؤوليتها من أي سرقة قد تتعرض لها أثناء تناولك الطعام بما في ذلك الأحذية! وأنت تدخل السوق تضع يدك على جيبك، لماذا؟ لماذا يدخل المصلون الى المسجد ومعهم أحذيتهم؟
– نعم، ربما هو كذلك، كوكب السرقة!

 

* الصورة بواسطة Don Hankins

فهمي الباحث فى 12 - يناير - 2015

اترك تعليقاً


تواصل معي عبر المواقع التالية:

إعلانات

إشترك في قائمتي البريديه

bloked-msg

عن الحوثيين وحجب مواقع الإنترنت

أقدمت جماعة الحوثي في ال26 من مارس 2015 على حظر ...

bloked-msg

أدوات وبرامج مجانية لكسر حجب موا

بعد أن تم حجب مجموعة من مواقع الإنترنت اليمنية وخصوصا ...

ecomm2

دراسة: ضعف البنية التحتية في اليم

أعلنت جمعية الإنترنت اليمنية عن النتائج الأولية للدراسة التي نفذتها حول ...

ecommerce1

ندوة توعوية حول التجارة الإلكترو

نظمت جمعية الإنترنت اليمنية بالتعاون مع جامعة المستقبل بصنعاء ندوة ...

عدد من المشاركين

جمعية الإنترنت تدشن المرحلة الثا

دشنت جمعية الإنترنت اليمنية يوم أمس الأحد بصنعاء المرحلة الثانية ...